مريم
المحتويات
ميلاد سعيد مراد !
كانت تلك مرته الأولى.. و الحقيقة أنه لم يكن يكن لأول فتاة أي مشاعر حب كانت بالنسبة له و إعجاب فقط ما إن نالها صارت من ضمن ذكرياته و تنقل بعدها بين الكثيرات وصولا إلى حبيبته إيمان.. أدرك عشقها متأخرا
متأخرا جدا ...
كان يتكئ على طاولة الصالون ممسكا الحافة بيديه واضعا رأسه بين كتفيه كانت الدموع لا تزال بعينيه يمسك منها ما إستطاع بينما والديه يجلسا خلفه و لا يقتربا إليه بطلب منه ...
تربيتي كانت مسؤوليتكوا ! .. قالها مراد بصوت خشن يداري فيه نبرة البكاء العڼيفة
اعتصر عينيه و كفكف كل دموعه بكم قميصه ثم استدار بعينيه الحمراوين يواجه أبويه و يلقي باللائمة عليهما مشيرا باصبع الإتهام
و تربيتي كلها كانت غلط.. أنا بسببكوا عشت ضايع. ماعرفتش حتى نفسي
كانت رباب تبكي هناك فقط ليقف محمود في هذه اللحظة و قد نفذ صبره على إبنه اقترب منه قليلا و هو يهتف پغضب
ما تتكلم عدل ياض انت. مش كفاية مقعدنا قصاك زي العيال الصغيرة. انطق و قول حصل إيه شقلب حالك كده
احټرقت عيناه أكثر و هو يحملق بأبيه طاحنا أسنانه
إللي حصل. إني فتحت عيني على عالم
مش بتاعي. إللي حصل. إني اتعلمت الأصول بس. و حتى دي ماعرفتش أطبقها.. عارف ليه يا بابا عشان أنا طول عمري كنت مسلم بالإسم. انت و ماما اهتميتوا بتعليمي و قدمتوا ليا الحياة إللي يتمناها أي طفل و حتى لحد ما بقيت راجل. بس في المقابل. لو سألتني مش هاتلاقيني حافظ فاتحة الكتاب أصلا. مش هاتلاقيني عارف أركع ركعة واحدة.. أنا عشت عمري كله مغيب. بسببكوا خسړت كتير. و دفعت التمن غالي أوي. أوي !!!!
فقط تعبير الصدمة هو كل ما يجلل وجهي رباب و محمود.. وقف مراد يطالعهما بمرارة و خيبة أمل كبيرة
لم يتحمل الوقوف بينهما أكثر من ذلك سحب أغراضهو هاتفه و انطلق خارجا من المنزل على الفور
إنفض الإحتفال و ذهب كل إلى سبيله ثانية و لكن أدهم.. لا يزال أدهم لم يتخطى اعترافات ابن خالته قبل عقد قران أخته مباشرة
كان في حالة من الذهول و الإنكار الإنكار أكثر لأن مراد ادعى بأن هناك علاقة حب متبادلة بينه و بين إيمان.. هو لا يصدق ذلك فأخته طوال عمرها كانت فتاة محافظة خجولة حتى عندما تزوجت يذكر بأنها لم تتأقلم بسرعة في حياتها الزوجية فكيف إذن يأتي و يخبره بهذا الهراء !!
حتما هناك خطب لم يفهم جيدا و لكن الأمر لن يمر مرور الكرام.. فها هي إيمان تجلس أمامه هو و هي في شقته على حدة أما زوجته و أمه فمع الأطفال بالأسفل
صنع لنفسه فنجان قهوة لأنه شعر بحاجة ماسة إليه و الآن هو واقف أمام أخته بغرفة المعيشة يحتسي قهوته و ينظر إليها مليا و يدرسها بينما تنكس هي رأسها آبية النظر إليه.. أو لعلها... خائڤة !!!
فاكرة يا إيمان لما سيف ماټ ! .. دمدم أدهم بهدوء
و لكنه لم يغفل ارتجافتها لمجرد سماع صوته أردف رغم ذلك بنفس الأسلوب
جيت لك بعدها بفترة عشان استأذنك نعمل فرح عائشة. فاكرة يومها قلتي لي و أنا بلمح لك بس باحتمال إنك ترتبطي من بعده. ثورتي عليا في لحظتها و قلتي لي مش هايحصل. أنا فاكر بالحرف الجملة إللي قلتيها و لسا في وداني.. قلتي. بعد سيف الرجالة خلصوا بالنسبة لي !
ترك فنجان قهوته جانبا مشى ناحيتها حتى جلس في كرسي مجاور لها تماما مد جسمه قريبا منها ...
إيه إللي حصل غير رأيك يا إيمان. و إشمعنا قبلتي بمالك و اتجوزتيه بالسرعة دي. على الرغم إن أتقدم لك رجالة كتير بعد سيف. كلهم في نظري أحسن منه و من مالك. ماكنتش أتمنى لك أكتر من أي راجل فيهم... رررردددي عليا يا إيمان !!!
هكذا فقد السيطرة على نفسه بغتة و انفعل عليها ...
ارتعدت بقوة و ضغطت على عينيها بشدة لم على استعداد مطلقا لأي استجوابات يريد طرحها لم تكن لديها أي طاقة و هو ما كان واضحا
لكن أدهم لم يبالي و كرر عليها بحدة أكبر
بصيلي و كلميني يا إيمان. مش هاسيبك إلا لما أفهم.. قوليلي إيه علاقتك بمراد !
ما خاڤت منه طوال عمرها
قد حدث للتو
ها هو أخيها يعلم بسرها و لكن إلى مدى تصل معرفته تتمنى الآن لو تختفي من الوجود بفرقعة اصبعين لا يمكنها أن تجلس و تتحدث معه عن هذا الشأن.. لا يمكن ...
بقولك بصيلي !!!
تحت إصراره الشديد رفعت رأسها و نظرت إليه عبر نظراتها الغائمة إنه يحدق فيها بتصميم لم يتراجع أبدا إنه مخيف للغاية الآن أكثر من أي وقت رأته هكذا من قبل ...
إيه إللي تعرفه يا أدهم ! .. تساءلت إيمان بشجاعة
ربما كانت حذرة فقط مخافة على أخيها من الصدمة فيها و ليس خوفا عليها هي.. الوضع برمته مزري بما يكفي لو يعلم أخيها !
لم يتحرك و لم تتغير تعبيراته الصارمة شبرا واحدا لكن فكه توتر و هو يقول
يعني صحيح صحيح إللي سمعته منه.. كانت بينك و بينه علاقة حب !!
غمرتها بعض الراحة بداخلها و هو يدلي لها بالذي عرفه من مراد.. ما أكد لها بأن الأخير لم بڤضح سرهما الأشنع قامت واقفة فجأة و هي تقول بعصبية
الكلام ده كان زمان. كنا عيال يا أدهم.. أيوة كنا بنحب بعض. بس انت عارف الباقي هو مشي و انا اتجوزت. كل حاجة انتهت ف جاي بتحاسبني على إيه دلوقتي !
هب واقفا هو الآخر و هو يصيح پغضب
بحاسبك على ثقتي فيكي إللي ضايعتيها. متخيلة تفكيري عامل إزاي بعد ما عرفت حاجة زي دي. إنتي كنتي تربية إيدي أنا يا إيمان. إنتي كنتي أقرب ليا حتى من عائشة. إزاي عملتي كده من ورا ضهري.. إزااااي !!
إنهالت مدامعها في هذه اللحظة و هي ترد عليه منتحبة
ڠصب عني. مش بإيدي. كنت محتاجة له. أنا كنت لسا بنت صغيرة و ماعنديش أي خبرة. و انت كنت بتحافظ عليا دايما و مجنبني أي احتكاك. مراد كان قريب مني.. اتعودت على وجوده جمبي. حبيته يا أدهم. حبيته ڠصب عني !!
ثار عليها غير مصدقا
و كان فين عقلك.. هه. قوليلي كان فين دينك و خۏفك من ربك و إنتي بتعصيه و بتواعدي شاب من ورا أهلك !!
أغمضت عينيها بشدة فور تفوهه بالكلمة الأخيرة إنه يشير لنقطة هي أهون ما بالقصة فماذا لو عرف السر الكبير.. كيف يستطيع تقبله
السؤال أساسا هو كيف تبرأ من عشقها الأثيم.. كيف يمكنها أن تنتزع مراد من قلبها... إنه يسكنها.. في دماؤها و قلبها و عقلها.. لا ينفك عنها كالمړض الخبيث
و لا جدوى أبدا من الشفاء إنها تحبه لا زالت تحبه و تريده لا زالت ضعيفة و تعرف أنه لو أتاها محاولا فإنها ستسقط في شباكه عن طيب خاطر و تخسر توبتها و كل المعاناة التي خاضتها ...
فجأة هبطت إيمان على ركبتيها أمام أخيها قبضت بكفيها على نسيج السجاد السميك أسفلها حتى أقتلعته تقريبا كتفاها يبدآن في الإرتعاش بسبب تلك الشهقات التي جاهدت لتكتمها فأفلتت منها بقوة و أخذت تبكي مثل طفلة
تبكي و تبكي بشكل مثير للشفقة و هي تهز رأسها متمتمة بحسرة
مافيش فايدة.. موتني. بحبه يا أدهم. موتني بحبه.. بحبه.. بحبه... بحبه.. بحبه !
أخذت تعيد الكلمة كما لو أنها اسطوانة مشروخة لم يكن هناك ما يشير إلى أنها ستتوقف ...
بقى أدهم عاجزا بمكانه مصډوما من رؤيتها هكذا لقرابة الدقيقتين و هو في حيرة من أمره.. حتى غلبه فؤاده لدموعها و سماع الألم يكتسح نبراتها
جثى أمامها بدون تفكير وضع يده عليها فرك ظهرها و مسد على شعرها
ضمھا إلى صدره بقوة مرددا بلطف
طيب.. طيب خلاص. خلاص يا إيمان... طيب خلاص !
لم يسعه أن يواسيها بكلمات أخرى فمن جهة لا يزال غاضبا عليها و من جهة لا يحتمل أن يراها مټألمة إلى هذا الحد.. هو يعرف أن أخته لا تستحق ذلك
أخته إيمان لا تستحق أي سوء يحيق بها
لا تستحق أبدا ...
وقف على أعتابه
لم يتردد أبدا في الذهاب إليه
في الواقع أن مجيئه تأخر كثيرا
لكن الأوان لم يفت بعد ...
بكلتا يداه و لأكثر من ثلث ساعة لم يتعب مراد و هو يدق على أبواب المسجد المغلقة كانت دموعه تسابقه و هو يتخيل بأنه هذا باب الرحمة و قد أغلق بوجهه للأبد كان في عالم آخر و هو يعقد محادثة بينه و بين السماء يظن بأن لا أحد يسمعه و لكنه مخطئ أكثر من مخطئ فهو حتما يسمع.. و يجيب المضطر
حاشاه أن يرد سائلا حاشاه أن يذر عاصيا يستجدي التوبة يتوسل الرحمة
حاشاه ...
يارب.. اسمعني. أنا جيت لك.. أنا اتأخرت بس جيت لك.. ماتقفلش الباب في وشي كده.. يارب أنا آسف. أفتح لي.. لو سبتني كده مين ياخد بإيدي.. لو سبتني كده أروح لمين غيرك.. يارب... يارب !
إيه يا أستاذ في إيه !
إلتفت مراد إلى الصوت الغريب ورائه ليجد شابا في مقتبل العمر ظهر من العدم أمامه كان يرمقه بريبة و هو يقف هكذا أمام باب المسجد و حالته يرثى لها ...
من فضلك شوف حد يفتح لي المسجد ! .. قالها مراد و صوته مليئ بالألم تماما
سأله الشاب خير يعني. عاوز إيه.. مافيش حد جوا انت عارف الساعة كام دلوقتي
في الحقيقة الساعة تشير إلى الثانية و النصف صباحا
لكنه لم يهتم و أصر
أرجوك. أنا لازم أدخل.. عايز أصلي !
تعجب الشاب لا حول و لا قوة إلا بالله. طيب يا أستاذ شكلك محترم يعني. لا مؤاخذة ماعندكش بيت تصلي فيه. لو مصمم ارجع بعد ساعتين على صلاة الفجر !
هز مراد رأسه و قد أطلت الدموع من عينيه اعترف بخزي ممېت
مابعرفش !
الشاب مستوضحا مابتعرفش إيه لا مؤاخذة !
مراد بمرارة مابعرفش أصلي !!
صعق الشاب في الحال و أخيرا أدرك معاناة ذلك الرجل أثقلته الصدمة لبعض الوقت لكنه تحرك دون تفكير و أستل المفاتيح من جيبه.. فتح له أبواب المسجد و دعاه للدخول
خلع مراد حذاؤه و دلف يقشعر بدنه و يشعر بخشوع فور أن وطأ الجانب الآخر تبع الشاب إلى دورة المياه علمه الأخير كيف يتوضأ ساعده في كل صغيرة و كبيرة و أخذ يصب له الماء أيضا.. ثم أخذه و علمه فاتحة الكتاب
كان الأمر عسيرا عليه لكنه الشاب كان صبورا و تقدمه مؤديا ركعتي التوبة أمامه و هو يرفع صوته ليفعل
متابعة القراءة